الشيخ محمد رشيد رضا

124

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مستشفيات الأمراض العقلية ويعالجوا فيها إلى أن يبرءوا وإذا دققنا النظر في أقوال هؤلاء نرى انهم يريدون أن يشرعوا أحكاما خاصة بقوم تعلموا وتربوا على الطرق الحديثة وسيسوا بالنظام والحكم ، حتى لا سبيل لأولياء المقتول أن يثأروا له من القاتل ولا أن يسفكوا لأجله دماء بريئة ، وحتى يؤمن من استمرار العداوة والبغضاء بين بيوت القاتلين وبيوت المقتولين ، ووجدت عندهم جميع وسائل التربية والمعالجة ، لا احكاما عامة لجميع البشر ، في البدو والحضر ، ومع هذا نرى كثيرا من الناس حتى المنتسبين إلى الاسلام يغترون بآرائهم ويرونها شبهة على الاسلام « 1 » وأما النافذ البصيرة العارف بمصالح الأمم الذي يزن الأمور العامة بميزان المصلحة العامة لا بميزان الوجدان الشخصي الخاص بنفسه أو ببلده فإنه يرى أن القصاص بالعدل والمساواة هو الأصل الذي يربي الأمم والشعوب والقبائل كلها ، وان تركه بالمرة يغري الأشقياء بالجراءة على سفك الدماء ، وأن الخوف من الحبس والاشغال الشاقة إذا أمكن أن يكون مانعا من الإقدام على الانتقام بالقتل في البلاد التي غلب على أهلها التراحم أو الترف والانغماس في النعيم كبعض بلاد أوربة فإنه لا يكون كذلك في كل البلاد وكل الشعوب ، بل إن من الناس في هذه البلاد وفي غيرها من يحبب اليه الجرائم أو يسهلها عليه كون عقوبتها السجن الذي يراه خيرا من بيته ، وان في مصر من الأشقياء من يسمي السجن نزلا أو فندقا . وسمعت أنا غير واحد في سورية يقول : إذا فعل فلان كذا فإنني أقتله وأقيم في القلعة عشر سنين . وذلك ان القاتل هناك يحكم عليه غالبا بالسجن خمس

--> ( 1 ) نشر في عدد 1499 من جريدة اللواء الصادر في 15 ج 2 سنة 1332 مقالة من مقالات في الانتصار لجندي قتل ضابطه عمدا في السودان جاء في أولها أن الانسان إذا أطلق لنظره وفكره العنان في مسالة القتل وشخصها تشخيصا حقيقيا فإنه ينادي بوجوب إبطاله من بين الأمم والشعوب رحمة بالانسان وخدمة للانسانية ( قال ) وقتل القاتل أفظع وأبشع من قتل المقتول : ثم قال : الانسان يستهجن الحكم بالاعدام وينفر منه ويعده بقية من بقايا الهمجية ويقول فيه ما قال مالك في الخمر اه فتأمل كيف يصدر هذا من مسلم وينشر بين المسلمين ، وهو طعن في كتاب ربهم وتشنيع على أصل من أصول شرعهم لا سبب له الا هوى السياسة قاتلها اللّه تعالى